لسان الدين ابن الخطيب
14
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
ولقد كسب ابن الخطيب ثقة هذا السلطان الغرناطي ، حيث قربه من مجلسه ، وخلع عليه الجم من النعم ، كما أنه أصبح أثيرا لديه ، مودعا إياه أمانة سره وكتابته ، وذلك لروعة هذه المكاتبات السلطانية التي دبجها له من جهة ، ولنجاح سفاراته مع ملوك النصارى والمغرب من جهة أخرى ، فقد بعثه عاهل غرناطة سفيرا إلى أبى الحسن المرينى ملك المغرب عام 749 ه ( 1348 م ) . ولما توفى السلطان أبو الحجاج يوسف قتيلا - في يوم عيد الفطر 755 ه ( 19 أكتوبر 1354 م ) - خلفه في الملك ولده السلطان محمد الخامس الغنى بالله ، واستمر ابن الخطيب في معاونة الوزير أبى النعيم رضوان على خدمة السلطان الجديد ، كما تولى الوصاية على الأبناء القصر للسلطان المتوفى ، ثم قام بسفارة إلى السلطان « أبى عنان فارس المرينى » عام 755 ه 1354 م ، ولقد نجح ابن الخطيب في مهمته هذه نجاحا عظيما ، ذلك أن ملك المغرب استجاب للمطالب التي حملها ابن الخطيب لصالح ملك غرناطة ، وفي مقدمتها العون الحربي لمقاومة أطماع ملك قشتالة . ولقد ظفر ابن الخطيب بمكانة ممتازة لدى الغنى بالله ، إذ منحه ثقته كأبيه من قبل ، وخلع عليه لقب ( ذو الوزارتين ) ، لجمعه بين وزارة القلم ووزارة السيف . ولكن حدث أن اندلعت الثورة بغرناطة ، في رمضان 760 ه 1359 م ، ونتج عنها فقدان السلطان الغنى بالله لملكه ، واستيلاء أخيه الأمير إسماعيل على العرش ، كما تمخضت هذه الثورة عن مقتل الحاجب أبى النعيم رضوان ، ثم فرار الغنى بالله إلى وادى آش « 5 » ، وعليه فأصبح ابن الخطيب لا يملك من الأمر شيئا ، غير أنه حاول أن يستميل السلطان الجديد ، فقبله في منصب الوزارة مؤقتا ، ثم تشكك بعد قليل في نواياه ، وذلك بتحريض منافسيه وحساده ، فقبض عليه ، وصادر أملاكه ، وبذلك فقد ابن الخطيب جاهه ونفوذه ، بل ومتاعه بين عشية وضحاها .
--> ( 5 ) راجع ما كتبناه عن هذه المدينة في وصف ابن الخطيب للمدن الأندلسية من هذا الكتاب .